أعتقد أن ل... ديوان الموظفين.. والذي تغيّر اسمه إلى.. ديوان الخدمة المدنية.. ثم إلى وزارة الخدمة المدنية، دوراً أساسياً في إساءة فهم مواقع حملة الدرجات الأكاديمية العليا، كالماجستير والدكتوراه.
أقول دوراً أساسياً، لأنه قام بتصنيف تلك الدرجات على أسس وظيفية، أو مكانة مالية في الراتب والرتبة والمميزات. وهذا كله - في رأيي - أوجد سلوكاً غير علمي ولا عملي في التهافت للحصول على تلك الدرجات، حتى لو جاءت من جامعة غير معروفة ولا معترف بها..
لا أشك لحظة أن المسؤولين عن التعليم العالي يرون معي أن دور الدرجات العلمية المتقدمة كالدكتوراه مثلا لا يجب أن يكون هدفاً بحد ذاته أو وسيلة من وسائل الكسب المادي والحصول على الهامش.. أو خارج دائرة وضعنا الثقافي والعلمي.
الأزمة هنا - كما يراها أكثر الأكاديميين لدينا - تكمن في أن بعض من يحملون الدرجات العلمية العليا همهم الوحيد أن يتبوأوا المراكز العليا ويحسّنوا وضعهم المادي، أما الأهداف البحثية العلمية فليس لها مكان في الأذهان.
بعد أن يتخلى الأستاذ الجامعي عن هدفه البحثي يبدأ الركض وراء الترقية عن طريق عدة منافذ قد يكون التدريس أحدها. وبعد مرور فترة زمنية أو عند حلول أوان الترقية، يعمد الى تقديم بحوث عشوائية (من أجل الترقية إلى أستاذ مشارك أو أستاذ)، ثم يوضع جزء كبير من تلك البحوث حبيساً في الأدراج، إما لأنه مكرر أو أن جدواه العلمية لا تذكر.
ولا أعجب أنه خلال العقدين الماضيين لم نر لجامعاتنا بحوثا على المستوى العالمي، فهل يعقل أن تكون كل هذه العقول - التي بلغ بعضها مرحلة الشيخوخة - غير قادرة على تقديم بحث علمي ملموس أم أن الأنظمة الجامعية - في غياب النقد وتراكم الأخطاء - أصبحت غير قادرة على الوفاء بمتطلبات العمل الأكاديمي فأغلقت جميع منافذ العلاج وأوصدت أبواب الحلول الواقعية للمشاكل القائمة التي تثبط من همم وتطلعات الجيل، على الرغم من الدعم المادي الملموس الذي تقدمه الدولة للمؤسسات العلمية في شرق البلاد وغربها والتي - ولا يحتاج أن أذكر - تتمثل في الأجهزة العلمية والتسهيلات الكبيرة، والكل يدرك بأن هناك دولا لا تتمتع مؤسساتها التعليمية بربع إمكانات جامعاتنا، وتنتج جامعاتها بحوثاً عالية المستوى.
حبذا لو أعيد النظر في أوضاع وأنظمة التعليم العالي والبحث العلمي في المملكة، يكون نابعاً من استقصاءات حية للمراحل السابقة لا حباً في التغيير وإنما للفوائد التي سيعود بها.
اطرحوا الأسئلة، وخذوا آراء من عايش الجامعات منذ تأسيسها، وقد تتعدد الأجوبة وتتباين، وتصيب في حين وتخطئ في أحايين أخرى، ولكنها على الأقل ستضعنا على جادة الصواب.