ملكة التفكير مثلها مثل بقية الملكات الفطرية في الإنسان تصقل أو تبهت وفق ما يتاح لها من تربية وما يحيط بها من بيئة، ولعل المثال الذي طرح في مقال أمس حول من يفكر ومن لا يفكر، يوضح كيف أن الاختلاف بين الاثنين ربما حدث بسبب الفروق في البيئة وأسلوب التنشئة التي تعرض لها كل منهما، فمن ترك على الفطرة لم يعترضه قمع وردع وتجهيل وتلقين، نشأ مقاداً بفطرته التي تدفعه إلى التأمل والتساؤل والتثبت والمقارنة لتمييز الحق من الباطل، أما من تدخلت بيئته وتنشئته فحدت من حريته فنشأ لا يسمع حوله سوى الحث على الطاعة واتباع ما يلقن له وتصديق كل ما يقوله من هم أكبر سناً أو أكثر علماً أو أعلى مكانة، فإنه ينشأ وقد رسخ في نفسه أن الصواب كامن في اتباع ما تقوله تلك المصادر الملقنة له، فهي قد أقر لها بالكفاية والعلم فما حاجته هو إلى طرح الأسئلة أو المراجعة أو الاستيثاق من صواب ما قيل؟ والنتيجة هي التعود على غياب الرجوع إلى العقل والتسليم بأن المصادر الملقنة للمعرفة هي المشعل الذي ينبغي أن يتبع، وأن كل ما تقوله صواب دائماً فهي لا يمكن أن تزل أو تخطئ، سواء كانت كتاباً يدرس أو أستاذاً يعلم أو عالماً يتحدث.
وغني عن القول إن صقل ملكات التفكير لا يتم بحشو العقل بالمعلومات ولا بتنوعها، فملكة التفكير أداة للنظر في المعرفة، وما نفتقده في تعليمنا هو غياب استعمال تلك الأداة، فالمعارف تعرض أمام الطلاب ليقبلوها ويتعاملوا معها كما هي، من غير أن يعطوا الحرية في فحصها وفهم مضمونها والتأكد من صحتها، فتبقى ملكاتهم الفكرية معطلة فيصيبها الترهل والذبول.
إن عدم الاستعانة بملكة التفكير التي هي أداة التأمل والتبصر عند التعاطي مع المعارف، يؤدي بالطلاب إلى قبول كل أنواع المعرفة المتاحة لهم، ومن المؤكد أن ليس كل معرفة صحيحة أو صادقة، بل ربما كان هناك من المعارف ما يحمل ضرراً للإنسان، وتربية الطلاب على القبول بكل ما يعرض لهم من المعارف والتعاطي مع مصادر المعرفة على أنها محقة دائماً لا يأتيها الباطل من أي جانب، يجعلهم ينصرفون عن التفكير في صحة ما يسمعون أو يقرأون بحجة أنه معزو إلى مصدر معرفي، سواء كان ذلك المصدر فضائيات أو انترنت أو استاذاً في المدرسة أو خطيباً في المسجد أو والداً في البيت، هو لابد أن يكون على صواب فما الحاجة إذن إلى التشكك والمراجعة!