أهلا بك زائر موقعنا الكريم أنت لم تسجل دخولك بعد أو أنك غير مسجل لدينا ، للتسجيل كعضو جديد اضغط هنا . كما يرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، بالضغط هنا

بمنظار الحياة | الأربعاء 20 فبراير 2008 2:01:18 صباحاً

لم يكن ( هيجل ) الذي فرغت من قراءته حينها مسيطرا على تفكيري فحسب .. بل تمنيت لو أطبق في كثير من فلسفاته التي رأيت أن الحياة بحاجة فعلا إلى تطبيقها ؛ لا لجدتها وحداثتها وإنما لمنطقيتها ولأنها أتت مضغوطة تصنع فضاء واسعا .. أو بتعبير ( النفري ) : " كلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤية " .. كنت أنظر إلى مصوغة هيجل : " الذي ينظر إلى الحياة بمنظار معقول تتمثل له الحياة بدورها بمظهر معقول " على أنها صناعة للحياة تبدأ من الإنسان ذاته ؛ هذا في قبوله وتعايشه مع كل ما من حوله .. وهي مرتكز أساس ـ في تصوري ـ وقاعدة صلبة للانطلاق .. المهم أن يكون هناك قناعة ذاتية بما هو كائن وبما يكون .. بعدها لك أن تنطلق في فضاءاتك .. كان ذلك قبل سنوات مضت ؛ وتحديدا في السنة الأولى ( تدريس ) إبان حرب الخليج الثانية .. لا أدري لعلها نسجت هكذا قناعة في زمن كان اليأس يدب في الناس والتحول يهز في جذع الثابت .



في الأسبوع الخامس انتظمت الدراسة يعد توقف لا أعلم مبرره .. وكنت قد حشدت لنفسي مجموعة من الكتب عن التعليم عموما والمرحلة الثانوية على وجه الخصوص إضافة إلى مجموعة توصيات من بعض الزملاء اتضح لي فيما بعد بأنها معوقة ـ على الأقل لأنها لا تنظر للحياة بمنظار معقول ـ المهم أسندت إلي المجموعة ( و ) كواحد من ستة معلمين للغة العربية في ثانوية الأمير عبد الإله المطورة ببريدة .. عرفت فيما بعد لماذا ( و ) بالذات ؛ توصية المرشدين الطلابيين بأن يجمع المعيدون في فصل واحد ! .. دخلت الصف لأول مرة ووجدت أن الطلاب جميعهم قد أعطوا السبورة ظهورهم وكأنهم في مظاهرة احتجاج ضد التعلم .. وقفت قليلا ثم ـ بخطى بطيئة ـ وصلت إلى آخر الصف وأدرت وجهي إليهم بابتسامة خفيفة وسألت عن رائد الصف .. فرد أحدهم بصوت أجش : ماعندنا

( رائد ) كلنا ( تعاون ) فقلت : أقصد ( العريف ) فرد آخر بصوت ينم عن استحياء متأصل : أحسبه ( جندي ) !؟ تعالت الضحكات .. وكنت أرى أنها تعطر المكان فضحكت معهم .. وبعد أن عاد الهدوء طلبت من أحدهم أن يحضر من الإدارة مطرقة وسكروبا !! .. فتساءلوا : لماذا ؟ فقلت على الفور : حتى نغير مكان السبورة .. فردوا علي بسرعة : لا لا نحن نستدير بحيث نواجه السبورة .. وبدأوا يهمون فعلا بتولية وجوههم شطر السبورة .. سريعا استداروا غير واحد .. سألتهم عن اسمه .. فرد هو : إبراهيم بن علي بن محمد بن صالح بن عبد الكريم بن ...... الـ...... .. قلت : اسم جميل .. فرد : أنت أجمل .. وهمّ يستدير بتثاقل وتثاؤب مستمر .. لم يشأ أن يخرج كتابا .. رفع رجليه على الكرسي وجلس القرفصاء .. كنت أتواصل معه بصريا بين الفينة والأخرى ولا أعيره أي اهتمام .. كان كمن يريد أن يستفز .. وكنت أستدعي عبارة هيجل .. وكنت أتساءل : هل أنا أحمل منظار المعقول !؟ وكنت أبرر هذا التصرف بأنه نتيجة ضغط ما أو ظرف ما أو تربية ما أو حياة ما .



في الغد الباكر .. كان معلم التربية الإسلامية يفاوض آخرا في أن يقبل أن يسند له حصة في المجموعة ( و ) مقابل أربع حصص في أي مجموعة أخرى !! .. آخر يرتشف الشاي في ركن قصي وقد أصاخ سمعا فرد يلوم الإدارة في أنها السبب في هذا الوضع المتردي .. وازادوا الطين بلة بقبول الطالب ( الـ...... ) المنتقل من مدرسة مجاورة والمعيد في الصف الأول لسنتين .. والذي وصفه بأنه سرطان سوف يسري في جسد المدرسة عموما ؛ بناء على معلومات مؤكدة حصل عليها من زملاء في المدرسة المجاورة .. كنت استمع للحديث وأتذكر عبارة ( هيجل ) وأظنني استحضرت ( دايل كارنيجي ) . استمريت في الدخول على المجموعة ( و ) لأسبوع كامل كنت في أغلبه متفرجا ومعلقا إيجابيا على مجموعة تصرفات صبيانية كان يقودها فعلا ( إبراهيم ) .. في بداية الحصة الثانية همست في أذن إبراهيم : هل لديك ما يشغلك في الفسحة ؟ فرد : لا .. فقلت أريدك .. ومضيت .. في الفسحة رأيته عند باب غرفة المدرسين .. خرجت وأخذت بيده إلى سيارتي وقلت : اركب .. قال : إلى أين ؟؟!! فقلت : موضوع يهمنا جميعا .. ركب معي واتجهت إلى البوفيه القريبة من المدرسة .. وطلبت لنا إفطارا دون أن أستشيره بما يرغب .. وفتحت الحديث معه .. وكان سؤالي الأول : الوالد موجود ؟ هز برأسه يمنة ويسرة .. الوالد توفي منذ زمن .. واسترسل ـ بعد أن ترحمت عليه ـ وأنا وحيده .. أعيش مع الوالدة .. قلت : الله يمتع بعمرها ويرزقك برها .. نظرت إليه بحدة وقلت : إبراهيم .. اسمع : هذه السنة سوف تنجح غصبا عنك ! .. ابتسم وقال : إن شاء الله .. ـ وعد يا أبا خليل .. ـ وعد ياأستاذ .. طلبت منه أن يرتشف ما تبقى من شاي الإفطار .. فرد بالشكر وهممنا بالقيام ورجعنا .. نزل من السيارة وكنت أحرصه كثيرا وأذكره بوعده .. أوصيه بالاختبارات الشهرية وأن يجعلها المنطلق للبداية الجادة ولتغيير الصورة عند المعلمين جميعا . في الامتحان الشهري أمسكته متلبسا بغش فاضح !!؟؟ سحبت ورقته بصمت ودون أن يشعر الطلاب بشيء .. في الغد سردت الدرجات التي حصل عليها الطلاب .. وكنت ألحظه أثناء عد الدرجات .. كان كمن يريد أن يتوارى .. وحين وصلت إلى اسمه توقفت قليلا ثم واصلت : إبراهيم خمس عشرة درجة !! رفع رأسه وكانت علامات التعجب تتطاير من أم رأسه .. كنت أرقب عينيه .. كنت أعلم أنني أؤسس فيه الحياء .. أؤسس فيه معاني كثيرة أعظمها وأقربها الرجولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى .. أو هكذا خيّل إلي في وقتها .. فعلا أطرق خجلا .. وعندما خرجت تبعني وأعلن أسفه بلغة منكسرة .. نظرت إليه متنهدا : إبراهيم لابد أن تنجح .. أنت وعدتني .. صح ؟!! هزّ برأسه ومضى ..



تتابعت الحصص وكنت ألمس التغيير .. المعلمون بدأوا يتحدثون عنه .. اجتهاده .. تميزه .. كان أميز ما يميزه عندي حفظه السريع .. أروع يوم عندي حينما أتى ليخبرني بأنه ترك الدخان .. وأسوأ يوم حينما لم نجده .. انقطع فجأة .. ولا نجد من نسأله عنه .. المرشد لا يعلم ووعد بأن يتصل بوالدته لكن ـ على ما أظن ـ أنه لم يفعل كان مشغولا جدا عن عمله الأساس بالمقصف ! .. يوم السبت .. الحصة الأولى لمحته في الاصطفاف الصباحي اقتربت منه وسألته بفرحة مغلفة بالأسى : أين أنت ؟ فرد بسرعة : أخذت الوالدة إلى مكة ؛ عمرة . صافحته وشددت على يده ورفعتها نحو كتفه ودفعته بها قليلا: طيب .. أخبرنا .. استأذن من إدارة المدرسة ! ابتسم ومضيت .. ومضت الأيام وخرجت النتيجة ( إبراهيم ناجح ) أحسست حينها بانتشاء عارم .. تأسست بيننا صداقة و احترام .. أصبح يزورني في البيت ؛ أحيانا مسلما فحسب وأحيانا ليستشيرني ويستثيرني بمواضيع تافهة في نظري مهمة بالنسبة له .. انقطعت عن المدرسة وكنت أتحسس أخباره قيل أنه تخرج من السنة الثالثة قسم العلوم العربية والشرعية وحصل على الترتيب الأول .. انقطع عني لما يقارب السنة تقريبا .. أول ما رأيته بعدها في الاستقبال في المستشفى التخصصي ببريدة .. كنت أحمل ابنتي الصغيرة وهي تبكي وتتلمس بقايا الدم النازف من جرحها .. كنت أستحثه للإسراع .. رفيف اسمها رفيف وعمرها سنتان .. ترك القلم وخرج من الباب : أبو منصور !! اتبعني .. أخذ البنت وراح يجري ووضعها على السرير وطلب الدكتور سريعا .. تركنا البنت عند الدكتور يضمدها وتركت منصور وأمه عندها وأخذت أسلم عليه .. وأسأله عن أحواله .. ولماذا لم يكمل دراسته .. فقال بأن الحياة صعبة والمسؤوليات كبيرة .. وعلى كل حال الحمد لله فكما ترى أنا هنا في المساء وفي الصباح أدرس في جامعة الإمام .. في قسم اللغة الإنجليزية .. شددت على يديه وقبل أن أمضي همست فيه : أنت قاطع ما تزور ؟! أطرق خجلا ورد : أعطني وقتا .. ومع ذلك حقك علي كبير ..



سارت الأيام ولم أشعر حتى طرق الباب .. أتى ليدعوني لزواجه .. باركت له وسألت عن الجامعة .. فقال تخرجت وأنا الآن أنتظر التعيين .. عندها أحسست بنشوة أخذتني لفضاءات تجاوزت عبارة ( هيجل ) .. أدركت حينها أن صناعة الحياة تبدأ بصناعة الإنسان .. وصناعة إنسان تحتاج إلى صبر وترو وتوجيه .. ويتبقى السؤال : هل الذي ينظر للحياة بمنظار معقول تتمثل له الحياة بدورها بمظهر معقول .. منظار أساس يجب أن تحمله حينما تريد التغيير ؟

عدد مرات القرائة : 1,571 مره .

مرات الإرسال لصديق : 0 مره .

مرات الاضافة للمفضلة : 74 مره .

عدد مرات الطباعة : 324 مره .

مستوي التقيم: 0.2/10 عدد مرات التقيم : 122

الأضافة بمواقع المشاركة

أخبار ذات صلة :

المتواجدون الان :

المتواجدون بهذة الصفحة : 0 ( 0 عضو - 0 ضيف ) .

بواسطة :

أجمالى عدد التعليقات 0 تعليق

Powered By : Al-3geb Portal 2009 - 2017 ® Version 2.0.1